تقبّلني كما أنا!

لا يوجد إنسان متكامل على وجه الأرض، والوصول إلى الكمال خرافة لا وجود لها على أرض الواقع، فالكمال لله تعالى وحده كما يقال. وجميعنا يمتلك مميزات وعيوب تجعله مختلفا عن غيره، ولا يخلو منهما أحد. غير أن جوانب القوة والضعف في شخصية كل منا نسبية ومتفاوتة. وتبرز هذه الجوانب بوضوح عندما نتعامل مع المقابل. فيتقرب منا بعض الناس أو يبتعدون عنا، وفق ما يعجبهم منا أو لما يكرونه فينا.

وفي بعض العلاقات الشخصية غير المتوازنة، قد يضطر طرف ليبذل فيها قصارى جهده لإخفاء نقاط ضعفه ونقصه، ليكون المقابل راضيا عنه. وقد يضحّي فيها بعفويته ليصبح ملائما لتوقعاته. ويداري عيوبه ليظهر جميلا في عين الطرف الآخر. وهنا نقصد بالعيوب الملامح الشخصية وبعض العادات والطبائع الإنسانية التي ليس فيها اشتباه شرعي، أو ليست ضمن العيوب الأخلاقية أوالمحرمات.

فمثل هذه العلاقات تكون متوترة ومشوبة بالحساسية، يضطر طرف أن ينتقي كلماته بعناية، ويختار ألفاظه بدقة، خوفا من كلمة تثير حفيظة المقابل أو تستفزه. والأسوأ من ذلك  عندما يفضّل الصمت على الكلام في بعض الأحيان، ليتفادى انزعاجه من كلمة عابرة وهفوة غير مقصودة، فيكون تواصله معه مليئا بالخوف والتوتر، مما يستنفد طاقته الفكرية والعاطفية.

وقد يضطر من جانب آخر إلى تقديم تنازل تلو الآخر بترك ما لا يعجبه المقابل، لتجنب المشاجرات والمشاحنات. وتقديم التنازلات رحلة لو بدأت لن تنتهي أبدا. ولا بأس من تقديم التنازل بين الحين والآخر مراعاة لمن نحب وجبرا للخواطر، شريطة أن يكون ذلك التنازل متبادلا، وليس حكرا على طرف دون آخر.

ففي العلاقات الصادقة والعميقة، لا حاجة لأن تبرر كل ما تقوله وتفعله، كي لا يسيء المقابل فهمك، أو ينتقدك عليه، لأنها مبنية على الثقة المتبادلة. ومعرفة المقابل بصفاء روحك تفوق الكلمات والألفاظ، ويقينه بنقاء مشاعرك وصدق نواياك يرتفع فوق ما يمكن أن يعكر صفوها. ويحسن الظن بك حتى لو أخطأت، ويجد لك بدل العذر، سبعين عذرا. وإذا سمع عنك شيئا لا يتوقعه أو لا يتوافق ورصيد الثقة عنده، قال “إن كان قد قاله فقد صدّقته” كما قالها أبو بكر رضي الله عنه، عندما أخبروه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول أنه أسري به إلى المسجد الأقصى وأعرج به إلى السماء.

فتكمن العلاقة الناجحة في الشعور بالراحة والأمان مع المقابل، حيث إن وجوده يضفي على حياتك جمالا وثراء وبهاء، ويغدقه بالسكينة والطمأنينة. ولا يحدث هذا إلا إذا تقبّلك الآخر كما أنت، بمحاسنك ومساوئك، وقوتك وضعفك. وهنا نتذكر قول الله تعالى في التعامل مع الذي لا يعجبك بعض خصاله (…وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ …) البقرة 237.

فمن أروع العلاقات تلك العلاقة التي تجعلك ترى نفسك أجمل في وجود المقابل، يشعرك بروعة نقاط قوتك، وخصوصية تميزك، ولا ينظر إلى عيوبك على أنها تطعن في شخصيتك، وجميل ما قاله كيانو ريفز في صدد العلاقات الشخصية “لا أحتاج إلى علاقة أبذل فيها جهدي لأصل إلى الكمال في عينيك، أحتاج إلى علاقة أتساءل فيها لم تراني بهذا الكمال وأنا ممتلئ بالعيوب؟!”

عميقة تلك العلاقة عندما يفهم المقابل صمتك قبل صوتك، ويقرأ حزنك في عينيك بعض النظر عن الابتسامة التي ترتسم على شفاهك. ويحاول أن يجعل راحتك من أولوياته، وسعادتك من أهم أهدافه، ويركز في علاقته على ما يستطيع أن يعطي، وليس على ما يتمكن من أخذه فحسب من تلك العلاقة.

جميلة تلك العلاقة التي لا يحاول المقابل فيها أن يغيرك كي تلائم مقاييسه. فإن كان يشعر أنه يصبح أكثر سعادة وأنت قريب منه كما أنت، ويراك جميلا متألقا بملامح شخصيتك وطباعك، فمرحبا به في عالمك، وحينها فقط يمكن للعلاقة أن تتكلل بالنجاح، وتستطيعان أن تستمتعا بوجودكما في حياة بعض.

2 comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s