تحرر من التعلُّق

إذا كنت تشعر أن هناك شخصا بدأ يأخذ معظم وقتك وتركيزك، وذهنك مشغول به في أغلب الأوقات والأماكن، ولا يمكنك التفكير في أي شيء غيره، ومعظم ما تحب أن تفعله يكون من أجل هذا الشخص، وترتب حياتك وأولوياتك وجدولك حسب حياته وأولوياته وجدوله. إن كنت تشعر أنك أصبحت تفقد تركيزك على عملك وحياتك ليكون كل التركيز عليه فقط. وفي النتيجة فإن ما تنتجه أقل بكثير مما تهدف إليه أو تطمح له، وإن بدأت تلاحظ أنه لا يمكنك التحكم بنفسك بالتواصل مع هذا الشخص. فإنك واقع في سجن التعلّق للأسف.

والتعلّق هو علاقة ترابط غير سوية بينك وبين شخص آخر، وفي أغلب الأوقات يحدث هذا النوع من التعلّق في علاقة الصداقة أو علاقة الحبّ وقد يوجد أيضا بين الزوجين، بحيث يكون واحد منها متعلقا بالآخر بصورة غير طبيعية. فالمتعلّق به يكون المصدر الوحيد للفرح والسعادة والأنس والراحة. ويشبه هذا التعلق الإدمان إلى حد كبير، غير أن الإدمان يكون مع الأشياء، وذلك أن الشخص المتعلق يفقد السيطرة على نفسه، وما يتحكم به هو المتعلّق به سواء كان بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ولا نقصد بذلك (التعلّق الطبيعي) بالأشخاص المحيطين بك، لأنه من الطبيعي أن تحب  هؤلاء الأشخاص، وتأنس بقربهم، حتى يمكنك أن تضحي من أجلهم بكل غالٍ ونفيس، فلا تمثل مشكلة بالنسبة لك، لأن في التعلّق الطبيعي يكون المتعلّق محافظا على أهدافه وطموحاته وأولوياته، ولا يذوب في شخصية المتعلّق به. والتعلّق غير الطبيعي أو غير السوي يسمى في المصطلح العلمي بالتعلّق المرضي.

فالأشخاص غير المتعلقين يعرفون أن البقاء لله وحده، ولا شيء يدوم في الوجود، وعندما يحين وقت مفارقتهم لشخص قريب إلى قلبهم، يتركونه يذهب بسلام، دون أن يدمّر هذا الفقدان حياتهم أو سعادتهم. فكما يقول ميلان كونديرا:” لا تكن سريع التعلّق، فمعظمهم عابرون”. فلا يمكنك أن تربط راحتك وسعادتك وحياتك بشخص محدد “فالأشخاص راحلون والأشياء لا تدوم” كما يقول جورج برناردشو.

لماذا يحدث التعلّق؟

قد يحدث التعلّق لوجود حاجة عاطفية أو نفسية داخل الإنسان، فيأتي المتعلَّق به ليسد هذه الحاجة، فيشعر المتعلِّق بالسعادة والراحة نتيجة سد هذه الحاجة. وتذكر خبيرة الطاقة (حنان زينال) أن هذا التعلّق لا يمت إلى الحب بصلة، وعمق هذا التعلق يكون نتيجة عمق الخلل الداخلي الموجود، وجاء هذا الشخص ليملأ هذا الخلل بطريقة ما، مما يجعل الشخص المتعلق يتمسّك بشدة بالمتعلّق به، ولا يقدر على الفكاك منه، لأنه أصبح حاجة نفسية وعاطفية لا يمكن الاستغناء عنها، ولا يمكن تعويضه بأي شخص آخر، حتى لو تحوّل المتعلّق به إلى مصدر للأذى الجسدي أو النفسي للمتعلق. وبغض النظر عن معتقد الشخص المتعلق، فإن المتعلق به يأخذ شيئا من التقديس الشعوري لدى المتعلق وكل ما يرتبط به.

علامات التعلّق

ذكرنا في بداية المقال بعضا من علامات الشخص المتعلِّق، وفيما يلي نلخص النقاط الأتية التي من الممكن ملاحظتها في هؤلاء، وليس من الضروري أن تكون جميع العلامات موجودة في هذا الشخص ليعد شخصا متعلقا، ويكفي أن يجد معظمها في نفسه. وهذه من أبرز العلامات:

  • الرغبة الشديدة لإسعاد المتعلق به بأية طريقة كانت.
  • عدم القدرة على التخلص من تلك العلاقة حتى لو كانت تؤثر سلبا على حياتك. أو كان المتعلّق به يسبب لك إساءات جسدية أو لفظية أو عاطفية.
  • وضع احتياجات الشخص المتعلق به ورغباته أمام احتياجاتك ورغباتك.
  • عدم القدرة على فصل رغبات الشخص المتعلق به من رغباتك، لأنك تراها واحدة.
  • عدم الرغبة في التواصل مع الآخرين، والشخص المتعلق به هو الوحيد الذي ترغب بالتواصل معه.
  • صعوبة وضع خطوط التعامل وحدوده، ليتخطى التعامل في بعض الأحيان الحدود المعقولة.
  • مراقبة المتعلق به ومتابعته في كل حركاته وسكناته، وفي كلامه أو صمته، والتركيز على كل ما يفعله ويقوم به.
  • تأرجح المزاج بين الفرح والحزن في مدة زمنية بسيطة بسبب المتعلق به. فإن قال لك شيئا جميلا تطير إلى عنان السماء من السعادة. وإن لم يتمكن من قول شيء أو قال شيئا لم يسعدك، وصلت إلى أقصى درجات الألم.
  • الهلع من فكرة فراق هذا الشخص، والبقاء وحيدا.
  • القيام بتضحيات كبيرة جدا لإرضاء  المتعلق به فقط.
  • يكون الاهتمام بالنفس والصحة والمظهر من أجل المتعلق به فقط، وبالمقابل يصل الشخص إلى قمة الإهمال في نفسه وشكله إذا ما ابتعد عنه المتعلق به.
  • الغيرة على الشخص المتعلق به بصورة يتخطى حدود الغيرة المعقولة.
  • الرغبة بأن يكون المتعلق به أمام ناظرك طوال الوقت، ولا ينشغل بأي شيء آخر سواك.
  • تعد الدقائق والثواني لرؤية الشخص المتعلق به أو التواصل معه.

كيف تتحرر من التعلق؟

مع أن التعلّق يسد حاجة نفسية أو عاطفية للشخص، غير أنه لابد من أن يتخلص الإنسان من هذا القيد الذي يقيد به نفسه ويعيد تقييم علاقته بالمتعلق به. وهناك عدة إجراءات لابد من القيام بها، إذا أردت أن تتخلص من قيد التعلّق، وهذه الإجراءات هي:

  • الخطوة الأولى هي أن تتأكد أنك واقع في التعلّق وتعترف لنفسك بذلك.
  • لابد من أن تقرر أن تتحرر من هذا التعلّق. وقد يحتاج إلى مستشار نفسي إذا استصعب عليك التخلص من التعلق لوحدك.
  • خذ فترة استراحة لنفسك، وانقطع عن تلك العلاقة في تلك الفترة، لمراجعة نفسك وتقييم علاقتك بالمتعلق به. وفائدة الاستراحة أنها تعطي فرصة لكسر عادة الاعتماد والتشبث بالآخر.
  • أحط نفسك بأناس داعمين لك وإيجابيين، وخاصة في فترة الاستراحة من العلاقة، لأن المشاعر المتقلبة تكون في أوجها في تلك الفترة، وتكون المعاناة شديدة للتحكم في الذات.
  • حاول أن تكون أكثر اختلاطا مع الناس، وكوّن علاقات صداقة وأخوة مع أناس تتشاركون الاهتمامات والهوايات نفسها.
  • ركز على نفسك وما ترغب في تحقيقه من أهداف وطموحات، وما تريد ممارسته من هوايات واهتمامات وأنشطة، وما تطمح إلى تعلمه.
  • ضع حدودا لنفسك قبل غيرك لا تتجاوز هذه الحدود في علاقتك. وحاول أن تقول لنفسك (لا) متى ما أردت تجاوز الحدود التي وضعتها.
  • كن جريئا خلال تواصلك مع الآخرين حول أفكارك ومشاعرك واحتياجاتك التي تعد أنت المسؤول عنها، واستمع إلى أفكار الآخرين ومشاعرهم واحتياجاتهم، ولكنك لست مسؤولا عن تحقيقها لهم.
  • كن محبا لنفسك، ويتم ذلك عندما تتواصل مع نفسك تواصلا حقيقيا، فكلما عرفت نفسك أكثر، كنت أكثر ثقة فيها وأرفع تقديرا لذاتك.

خلاصة القول هي أن التعلّق علاقة سلبية بالمتعلّق به، ولا يؤثر سلبا على الشخص المتعلق فحسب، بل ينزعج منه المتعلق به كذلك، لأنه يشعر أنه يقيّد حركته، ويجعله يعيش في سجن كما يعيش المتعلق نفسه في ذاك السجن. فالتعلّق مرّ لأنه يجعلك تحت رحمة المتعلّق به، وقد قال الشافعي رحمه الله:” كلما تعلّقت بشخص أذاقك الله مرّ التعلّق، لتعلم أن الله يغار على قلب تعلّق بغيره، فيصدك عن ذاك ليردك إليه”.

2 comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s