العالقون في الماضي

إن الماضي جزء لا يتجزأ من حياتنا بحلوه ومرّه، ونحن اليوم ثمرة الماضي بكل تجاربه وأحداثه. وتذكره يراودنا جميعا بين الحين والآخر، ويعطينا شعوراً بالحنين والاشتياق إلى أيامه، مما يولد إحساساً بالراحة، بصورة خاصة إذا استحضرنا الأحداث السعيدة والفترات الجميلة، والحنين إلى أيام الطفولة والشباب. والاشتياق إلى الأهل والأحباب والأرض بين الفينة والأخرى يمثّل هواء منعشاً في فصل الصيف. وصدق الشاعر عندما قال:

                            كم من منزل في الأرض يألفه الفتى      

                           وحنيـــنه أبـــــــــــداً لأول منـــــــزل

إن تذكّر الماضي والحنين إليه شيء طبيعي يمر به كل شخص، ويحدث معنا جميعاً، غير أن بعض الناس لا يكتفون بالتذكر فحسب، وإنما يبقون هناك في الماضي، لأنهم عالقون فيه دون أن يشعروا بذلك. وقد يكون ذلك بسبب تجارب مفرحة كالتي ذكرناها، أو قد يبقون حبيس تجاربهم المحزنة فيصبحوا عالقين في شباكها. فبعض الناس يبقون طويلا في الماضي، الذي يُعدّ منصة للقفز وليس أريكة للاسترخاء كما يقول توفيق الحكيم.

هؤلاء الأشخاص العالقين في الماضي، يبكون على الأطلال، وكلما تحدثوا كان معظم حديثهم عن الماضي، أو مقارنة الحاضر به، أو يتحسرون على ما فات، لأنه امتلك أحاسيسهم ومشاعرهم. فيرثون لحياتهم التي فقدت بريقها ووهجها السابق. ويصنّف العالقون في الماضي إلى صنفين أو نوعين، وهما:

النوع الأول

الذين يعيشون في ذكريات الطفولة البرئية وعنفوان الشباب، والأحداث الجميلة التي حفرت في ذاكرتهم والنجاحات العظيمة والإنجازات السابقة. كل هذا يدور في مخيلتهم معظم الوقت، يتأسفون على تلك الأيام ويتحسرون عليها، وكيف أنهم لم يعرفوا قيمة ذاك الزمان، زمن البراءة والصفاء والمحبة والأخوة والتعاون، فيطلقوا عليه جميع الصفات الحسنة، ويقومون بتجريده من جميع التجارب المريرة التي مروا بها في ذلك الوقت وسلبيات ذاك الزمان. وحتى الأحداث السيئة والأشخاص السلبيين لا يكونون بهذا السوء وهذه السلبية عندما ينتقلون إلى الذاكرة. فالمرأة التي كبرت في السن وتفرقّ أولادها عنها وتوفي زوجها، ستظل ترى الأيام الماضية أياماً مشرقة والواقع الحاضر مريراً.

ونلتمس هذا عند بعض ممن يعيشون في الغربة، فلا يتذكر من وطنه إلا الأشياء الجميلة ولا يرى في حاضره سوى الأشياء المؤلمة والواقع المرير. ولا بحاول تعلّم اللغة الدولة الجديدة، أو يحاول أن يحتك بأهلها. لأن العيش في الماضي جعله ينظر إلى كل ما موجود في المكان الجديد نظرة سلبية.

النوع الثاني

هذا النوع عالق في تجاربه المؤلمة في الماضي، سواء كان عنفاً أسرياً، أو فشلا في الدراسة، أو فقراً أو إدماناً الخ. وهو كثير اللوم لأشخاص في الماضي مثل والديه أو إخوته أو معلميه أو المحيطين به، لأنه يرى أنهم هم المسؤولون عن واقعه المؤسف. أو يرى أن أحداثا أو ظروفا في الماضي كانت السبب وراء فشله في الدراسة أو العمل أو الحياة الأسرية الناجحة. وحال هؤلاء عكس حال النوع الأول، الذي يعيش في الماضي رغبة في أيامها الجميلة، والأحداث المفرحة التي كانت تحتويها.

أثر العيش في الماضي:

إن العيش في الماضي يؤثر سلباً على حياة الشخص وعمله وأسرته. وهذا يمنعه من أن يخطو خطوات جادة إلى الأمام، ويستفيد من الفرص التي وفرتها المرحلة الجديدية، وقدمتها البيئة الحاضرة. فهو لا يرى هذه الفرص، لأن معظم تركيزه على ما فات، ومشغول بقراءة صفحات حياته القديمة. فبعض الذين يعيشون في الغربة، لا يحاولون أن يتعلموا لغة البلد الجديد، والاحتكاك مع أهله، ولا يستفيدون من الفرص المتوفرة في التعلّم سواء في المجال الدراسي أو في مجال العمل. مما يمنعهم من التقدم إلى الأمام ورؤية واقعهم بمنظار الحاضر. 

كيف تتحرر من الماضي؟

هناك خطوات عليك مراعاتها إذا أردت أن تتخلص من العيش في الماضي:

  •  قرر أن تتخلص من هذا القيد الذي كبّلت به نفسك، وهو البقاء في الماضي.
  • تحّمل مسؤولية حياتك، فأنت مسؤول عن حياتك وكل ما يحدث لك فيها.
  • غيّر طريقة تفكيرك وقناعتك، فليس الماضي جميلاً، والحاضر مؤلماً دائماً.
  • تخيّل أن الماضي كتاب، اقرأه جيداً خذ منه الدروس والعبر المستفادة، ثم أغلقه فلن تحتاج إليه ثانية إلا للاستفادة منه فقط.
  • التركيز، ركّزعلى الحاضر الذي سيكون ماضيا في المستقبل، استفد منه واستمتع به، وكن حاضراً روحا وجسدا في أحداثه.
  • العلاقات الشخصية، كوّن علاقات شخصية مع أناس إيجابيين يتشاركون اهتماماتك.
  • خطط لتحقيق نجاحات جديدة، ولا يهم كم تبلغ من العمر، فالعمر ليس حاجزاً للتعلّم والتقدم والعطاء.

وأخيراً فالماضي فترة زمنية مضت إلى غير رجعة، والتركيز عليها يضيع سنوات قادمة من حياتنا دون أن نتمكن من استثمار الحاضر للوصول إلى مستقبل مشرق. وأفضل ما نعمله هو ما قاله جيمس لونج: “لقد خلق الله الماضي لكي يكون لدينا مكان ندفن فيه إخفاقاتنا السابقة”. فاجعله مقبرة التجارب الفاشلة التي مررت بها، وليس حقلا للزهور لأنه لن ينبت فيه شيء.

8 comments

  1. بارك الله فيكم، مقالة ثمينة! ما أحوجنا إلى التحرر والانطلاق، فكثيرا ما يكبلنا الماضي، ويوصد علينا الابواب، فلا نكاد نرى ما خلف الجدران، ونبقى أسارى عتمة الماضي وإن كان الحاضر متوهجا، فإن العمى الذي أصابنا به الماضي يعجزنا عن رؤية رونق الحاضر، بوركتم وسلمت يدكم.

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s